الرأي

التدويل لا التداول خطة قحت وفولكر لإدارة السودان _ حسن عبد الحميد

 

غادر حمدوك موقعه كأفشل رئيس وزراء سوداني مطلع يناير الحالي 2022م؛ ولكن مصائبه التي خلّفها لم تنقض، فالرجل ومن وراء مجلس السيادة ومن موقعه كرئيس للوزراء كتب خطابا للأمم المتحدة استقدم من خلاله بعثة الأمم المتحدة إلى السودان والتي باتت تعرف بـ (يونامتس) برئاسة الألماني فولكر، هذه الخطوة التي فتحت الباب واسعا لتدويل مشاكل السودان، ولجعل الأمم المتحدة تحشر أنفها في الشأن السوداني، والأمم المتحدة لها سجل غير مُشرّف في منطقتنا العربية والإسلامية، فهي قد فشلت في كل المهام التي تولتها وأشرفت عليها في المنطقة ابتداءا من سوريا وليبيا وانتهاءا باليمن، وأحوال هذه الدول تحكي فشل المنظمة الأممية في إدارة شئون المنطقة السياسية والعسكرية، فهي قد زادت الطين بلة، وفاقمت المشاكل، ولم تستطع لها حلا، وهذا ما يريده الموظف الدولي حمدوك الذي تسنم رئاسة الوزارة في السودان في غفلة من الزمن.
ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للسودان فولكر الألماني يتأبط أوراقه هذه الأيام كحاكم عام للسودان، ويفتي في القضايا السودانية، ويحدد من يحق له المشاركة في الحوار الوطني السوداني ومن لا يحق له المشاركة، ناحتا مصطلح أصحاب المصلحة الذين يود التفاوض معهم، ولا يدري أحد مصلحة من؟ وبأي معيار؟ ومن فوّضه لتحديدهم ومن ثم التفاوض معهم؟ ونظرة أولية لمن أوردت الأخبار أن فولكر قد بدأ التفاوض معهم، تريك طريقة تفكير الرجل ومعياره للمصالح وأهلها، فقد فاوض بحسب الأخبار الواردة حتى الآن كل من الحزب الشيوعي!! والمؤتمر السوداني!! وبعض التجمعات النسوية دون أن يرد تفصيل عن ماهيتها وكينونتها!! ونظرة عجلى للحزبين الواردين الذين تم التفاوض معهما وهما الشيوعي والمؤتمر السوداني، تجعلك تظن سوءا بالرجل فولكر، فهذان الحزبان بالذات هما جزء من المشكلة، ولن يكونا بأي حال جزء من الحل، فالحزب الشيوعي الذي فاوضت قيادته العسكر عام 2019م ورضي بالوثيقة الدستورية المعيبة التي أسست للشراكة بين (قحت) والعسكر؛ سرعان ما تملّص من الحكومة التي اقترفتها يداه، ونابذها العداء ودعا لإسقاطها كأن شيئا لم يكن، والذي يقرأ كتاب ود اللباد الموريتاني الذي ابتعثه الاتحاد الإفريقي للتعامل مع الشأن السوداني يرى بوضوح الدور الذي قام به الحزب الشيوعي السوداني في التحالف مع العسكر والتأسيس للشراكة التي تملّص منها بعد ذلك واسماها شراكة الدم. أما المؤتمر السوداني أحد ما أسماهم الشارع السوداني بعصابة اربعة طويلة إشارة للأحزاب الأربعة التي تسيطر على المجلس المركزي لقحت، فقد صمت صمت القبور عن كل التجاوزات والدكتاتورية والإقصاء التي تمت ممارستها خلال فترة حكم حمدوك وشركاؤه من قحت ومن ضمنهم المؤتمر السوداني، ولما لم يجد غرضه كاملا، صرّح أحد قادته بأنه يريد من الجيش أن يقدم شخصا غير البرهان ليتفاوض معه، مما اعتبره البرهان تحريضا على الانقلاب العسكري وإثارة الفتنة في الجيش، وهذا من الأسباب التي عجلت بقيام انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر 2021م الذي لا زالت البلاد تعيش تداعياته وتتجرع آثاره حتى اليوم، والخلاصة أن هذه الحزبين الشيوعي والمؤتمر السوداني لا يمكن أن يكونا جزءا من الحل طالما كانا جزءا من المشكلة.
وبعد انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر 2021م، وبعد اتفاق البرهان حمدوك في الحادي والعشرين من نوفمبر 2021م؛ رفعت أحزاب قحت شعار لا مساومة ولا تفاوض ولا شرعية للانقلاب، ولكن سرعان ما فضحهم الدكتور حيدر الصافي أحد قياديي قحت قبل أن يطاح به مؤخرا من سدة قيادة قحت، وذكر أن بعض أحزاب قحت تفاوض العسكر سرا وتساومهم وبالتالي تعترف بهم، بل ذهب لأبعد من ذلك حينما صرح لإحدى الصحف أن مجموعة ثلاثة طويلة تريد العودة إلى الحكم وإلى امتيازات المواقع الوزارية.
الذي يجري الآن هو إدارة للشأن السوداني بواسطة بعثة الأمم المتحدة بقيادة الألماني فولكر، وقياسا إلى تجارب الأمم المتحدة في المنطقة؛ فهي لن تفضي إلى حل للمشكل السوداني، بل ستزيد تعقيده كما فعلت في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها، وأحزاب قحت التي جربت الحكم لمدة عامين وشهرين تحت قيادة حمدوك، ليست حريصة على الانتخابات أو التداول السلمي للسلطة كما ينادون، لسبب بسيط هو أن معظم أحزاب قحت بل غالبيتها العظمي ليس لها قواعد في الشارع السوداني، ولن تستطيع العودة للحكم عبر صناديق الاقتراع، خاصة بعد تجربتها المريرة في السلطة، وبعد أن لفظها الشارع بشعاراته ( بكم قحاته باعوا الدم)، فلا أمل لهم في العودة عبر الانتخابات النزيهة الحرة، لذلك فهي حريصة على العودة عبر بوابة فولكر وبعثة الأمم المتحدة في السودان، بحجة أنهم أصحاب المصلحة، المصلحة التي يحددها لنا فولكر ومن وراءه من قوى الاستكبار العالمي.
على الغيورين والمخلصين من أبناء السودان السعي لإيقاف هذا العبث الذي يمارس على السودان بواسطة فولكر وبعثته الأممية، فهذه الجهود لن تفضي إلى استقرار السودان، بل إن الأمور ستزداد تعقيدا بالتدخل الأممي في الشأن السوداني، ومن الضروري أن يجلس السودانيون لتيفقوا على كيفية إدارة البلاد والخروج من هذه الأزمة السودانية، ولكن ليس تحت مظلة فولكر وبعثته الأممية، فليس هو الشخص المناسب ليحدد لنا بوصلة الخروج من الأزمة السودانية، وإذا اتفق أهل السودان على كيفية الخروج من أزمتهم السياسية وقرروا إيقاف ما يقوم به الألماني فولكر، فما على فولكر وبعثته الأممية سوى حزم حقائبهم ومغادرة هذا البلد الطاهر فهم ليسوا مرغوبا فيه من أهله المخلصين الغيورين.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى