الرأي

وقـائع وتـوقعات د. ربـيع عبـدالـعـاطـى عـبـيـد

وقـائع وتـوقعات
د. ربـيع عبـدالـعـاطـى عـبـيـد
دوام الحال من المحال (اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم)

كم شمخت مجتمعات، و ارتفعت رايات، وسال الخير منهمراً على فئات مختلفة و شرائح من الناس، غير أن تداول الأيام و تعاقب الأجيال، لم يدع مثل هذا الحال كما هو عليه، بل حدث التبدل، و تغيرت الأوضاع بدرجات متفاوتة.
و بينما ترتفع درجات الحرارة و تنخفض، و تهدأ النفوس و تضطرب، و تهب الرياح و تسكن، كذلك حال المرء في هذه الحياة الدنيا، و الدوام لله وحده و سبحان الله الذي يغير من حال إلى حال، و تظل الدنيا بكاملها بين أصبعي الرحمن يديرها كيف تكون مشيئته.
و التاريخ يحدثنا عن رجال سبقونا، أسسوا بدافع إيمانهم و قوة عقيدتهم، ذلك المجتمع و تلك الدولة الانموذج، في تاريخ البشرية، و هي دولة الاسلام التي ظلت نبراساً و علامة وضاءة في التاريخ الإنساني يهتدي بهديها المهتدون، و يسير على خطاها الذين تدفعهم نحو إقامتها الأشواق الإيمانية، و المجاهدات بالأفعال و الأقوال، و صدق التأسي و الإقتداء.
و لو كانت المشيئة القاصرة لبني الإنسان هي التي تحدد الثبات، و تتحكم فيما ينبغي أن يبقى و ما ينبغي أن يزول، لما ضعف الإيمان، و لما أصبحت دولة الإسلام و مجتمعه قد تحولتا من واقع يمشي على الأرض إلى نموذج سامٍ يتطلع نحو تكراره المسلمون، لبذل الجهد إستهدافاً لتبدأ الدورة من تلك القمة بحيث لا تحتاج إلى نهوض يتطلب منها الجهد لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
و لو كانت الحياة تسير على وتيرة واحدة و تعزف أنغامها على نمط تقليدي رتيب، لما سقطت امبراطوريات، و دالت دول، و افلست شركات، و ذل قوم بعد عز، وارتفع صوت بعد خفوته،او دغدغت مشاعر قوم للإحساس بمتعة الغنى، ورفاهية الحياة بعد فقر مدقع، و مرض أدمى شغاف القلوب.
و عندما نقول بأن دوام الحال من المحال فإن صورة الواقع ببلادنا تنبئونا بصحة هذه المقولة، و أكثر الذين يوضحونها هم من عاشوا زماناً يذكرون فيه كيف كانت اسرة فلان تعاني، و كيف كانت اسرة علان تغوص غوصاً في بحور من الرفاهية و النعيم، و لكن انقلبت الآية،و تبدلت المعادلة، و تلك هي سنة كونية لا يستطيع احد ان يتحكم في دفتها، و يوجه الرياح حسب الذي يشتهيه، ذلك لأنها رياح مرسلة قد تتجه يمينا أو يسارا، فتمطر مطراً أو لا تمطر ،ذلك لان الله هو الذي ينزل الغيث، و يعلم مافي الأرحام، و ما يخفيه الغيب من أقدار و أرزاق.
و ﺟﻤﻴﻌﺂ ﺳﻤﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﻳﻘﻮﻝ – ﺩﻭﺍﻡ ﺍﻟﺤﺎﻝﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺎﻝ- ﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻨﺎ ﻻ ﻧﺼﺪّﻕﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺃﻭ ﻧﺘﻌﻆ ﺑﻬﺎ . ﻓﺎﻟﻨﻔﺲﺍﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ ﻓﻲ ﺍﻋﺘﻴﺎﺩﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨِﻌﻢ ﻻﺗُﺼﺪِّﻕ ﺯﻭﺍﻟﻬﺎ . ﻻ الغني ﻳﺘﻮﻗّﻊ ﺇﻓﻼﺳﻪ ، ولا الشاب ﻳﺮﻯ ﻧﻔﺴﻪ ﺫﺍﺕ ﻳﻮﻡ ﺷﻴﺨﺎ. وﻻ الحاكم ﻳﻀﻊ ﻓﻲ ﺣﺴﺒﺎﻧﻪ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﻜﺮﺳﻲ ﻭﺟﺎﻩ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ،ﻻ ﺍﻟﻤﻌﺎﻓﻰ ﺍﻟﻤﺘﻤﺘّﻊ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻳﻀﻊ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﻓﻲ ﺣﺴﺒﺎﻧﻪ،ﻭﻻﺍﻟﻌﺎﺷﻖ ﻳﺘﻮﻗّﻊ ﻓﻘﺪﺍﻥ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ،ﻭﻻﺍﻟﺤﻲّ ﻳﺮﻯ ﺑﺄﻡّ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺭﻭﺣﻪ ﺳﺎﻋﺔﺳﻜﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻮﺕ . وﺇﻥ ﻣﺄﺳﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﻋﺪﻡ ﺗﺼﺪﻳﻘﻪ ﻟﺰﻭﺍﻝ ﺍﻟﻨِﻌﻢ ،ﻟﺬﻟﻚ ﻗﻠﻴﻠﻮﻥ ﻳﺴﺘﻌﺪّﻭﻥ ﻟﺨﺴﺎﺭﺗﻬﺎ . وﻛﻞّ ﻣﺎﻳﺼﻨﻊ الﺯﻫﻮ للإنسان ﻭﻣﺒﺎﻫﺠﻪ ﺯﺍﺋﻞ ،ﻟﺬﺍ ﻭﺣﺪﻩ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ،ﻳﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻭﺍﻟﺤﺐّ ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﺠﺎﻩ ﻭﺍﻟﺜﺮﺍﺀﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ،ﻛﻬﺪﺍﻳﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﻪ ﻣﺘﻰ ﺷﺎﺀﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩﻫﺎ . ﻷﻧﻬﺎ ﻧِﻌﻢ ﻳﺨﺘﺒﺮﻧﺎ ﺑﻬﺎ ﻛﻲﻧﻜﻮﻥ ﺃﻫﻼ ﻟﻠﻨﻌﻤﺔ ﺍﻷﺑﺪﻳّﺔ ألا و هي ﺍﻟﺠـــــّﻨﺔ.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى